حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
292
شاهنامه ( الشاهنامه )
التماسيح ، وأبدانهم كأبدان النمور ، وأرجلهم كأرجل حُمُر الوحش . فكانوا يقضون العجب ، ويسبحون خالقها ويقدّسون رازقها . فقطعوا هذا البحر الهائل في سبعة أشهر . ولما خرج الملك إلى البر رأى بلادا عامرة على ترتيب بلاد الصين وناسا لسانهم كلسان أهل مكران . فقلد تلك الممالك جيواً ، وتركه فيها وسار ، وأرسل إلى جميع بلاد ذلك الإقليم فكانوا يتلقونه بالسمع والطاعة ، ويلقونه بالخضوع والضراعة . فاستخبرهم من أفراسياب فأعلموه بتحصنه بقلعة كنك ، وأن بينه وبين تلك القلعة مائة فرسخ . وصول الملك كيخسرو إلى قلعة كنك فسار الملك قاصدا قصده . ولما اطلع أفراسياب على عبور كيخسرو بحر كيماك أسرّ الخبر في نفسه ، ولم يُعلم بذلك أحدا من أصحابه . ولما جنه الليل ترك أصحابه ورجاله ، واتخذ الليل جملا وهرب ممتلئ القلب هما وأسفا . فلما وصل الملك إلى القلعة المعمورة ، ورأى تلك الأراضي العامرة ، والبساتين الناضرة ، والحدائق الزاهرة ، والعيون المتفجرة ، والأزاهير المتفتقة استطابها واستطاب ماءها وهواءها ، وأقام فيها . وفرّق العساكر في طلب أفراسياب فلم يقفوا له على خبر ولم يعثروا منه على أثر . غير أنهم وجدوا خلقا كثيرا من أصحابه المتخلفين عنه فقتلوهم . وأقام الملك بها سنة من الزمان مستروِحا إلى طيب ذلك المكان . فاجتمع عليه أمراؤه وأصحابه وقالوا : طال مقام الملك في هذه البلاد . والرأي أن نرجع إلى ممالكنا أخذا بالحزم ، وجريا على مقتضى الاحتياط . فان كيكاوس قد طعن في السن ، واستولى عليه الضعف ، وحضرته خالية عن الرجال والأموال ، وقد خفى حال أفراسياب عنا ، فلو حشد جمعا وقصد تلك الممالك لم يكن هناك من يقاومه ، ويمانعه ، فتشتدّ شوكته ويعلو أمره ، ويضيع عند ذلك سعينا في هذه المدة المديدة . فاستصوب الملك كلامهم وعزم على الرجوع . فاختار من تلك المدينة رجلا صلح للرياسة والسياسة فخلع عليه ، وفوّض أمور تلك الممالك اليه ، وأوصاه بالعدل والاحسان ومجانبة الظلم والعدوان . ثم ارتحل منها ارجعا وارءه . رجوع الملك كيخسرو من قلعة كنك ومسيره نحو مدينة سياوخش كرد فلما قرب من بلاد الساحل تلقاه جيو بن جوذرز فأكرمه الملك وأخبره بما رأى في تلك القلعة . ثم أمر بإعداد السفن والزواريق فركب البحر في عساكره ، وعبر سالما إلى هذا الجانب في سبعة أشهر . فلما خرج سجد للّه تعالى وشكره وحمده ، ثم خلع على الملاحين وأعطاهم أموالا وافرة ، وسلك طريق البرية متوجها إلى مكران . فلما قرب منها تلقاه أشكس في جميع أكابر المدينة بالتحف والهدايا الكثيرة . ثم اختار من أكابر مكران رجلا مترشحا الملك متحليا بالخلال الحميدة والسير المرضية فخلع عليه وولاه تلك الممالك . واستصحب أشكس ، وأقبل إلى أن قرب من بلاد الصين فاستقبله رستم بن دستان فعانقه الملك وأكرمه ، وجعل يخبره بما رأى من عجائب البحر . فأقام بالصين في ضيافة رستم أسبوعا . ثم ارتحل